في مجلس الشيخ حمدن

0000000115.jpg - 17.80 Kbفي سنوات ماضية، وفي خضم تسارع وتيرة الأحداث الوطنية والدولية، وما صاحبها من انتشار واسع لوسائل إعلام واتصال، ملأت الدنيا وشغلت الناس، ومع تزايد الانشغال بأمور الحياة اليومية في العاصمة ..

 

 

كان كثيرا ما يراودني هاجس الخوف من الجهل بأدنى ما يُفترض معرفته من مُرتاد المجالس و المحافل.

 

 

 

فكنت كلما راودني ذلك الهاجس، اصطحبت أحد النصوص التعليمية المحظرية، وجعلتُ و جهتي منزل أستاذنا العلامة حمدن ولْ التاهْ، أطال الله بقاءه، ملتمسا بحضرته ملاذا عن تيار الأحداث والمشاغل الجارف.

 

و قبل أيام - و أنا بباريس - أصبت هدأة من الدراسة والتدريب .. جال فيها بذهني، دون سبب، بعض من المواقف التي بقيت في الذاكرة من تلك المجالس العطرة ..

 

فأتتني فكرة كتابتها، وجعلها بين يدي الجمهور ..

 

أتذكّر أنه قال لي يوما، وأنا أشرع في دراسة مختصر الشيخ خليل .. ''أنصحك أن تمر على نص المختصر سريعا، دون اعتناء أول الأمر بتحقيقه وتحريره، تفاديا للملل والتوقّف في وسط الطريق ..

 

فإذا فعلتَ ذلك، حصلت عندك ألفة مع جميع فصوله وأبوابه، وتكوّنت لديك جُرأة على بحث أي موضع منه احتجت له، وتحصّلت عندك مفاتيح البحث فيه''.

 

وقد أدركت فيما بعد رجحان و نجاعة ما أرشدني إليه.

 

وحدّثني هنا بما قاله العلامة محمذن بن محنض بابَ بن اعبيدْ، حين نصح من حوله ..

 

''إياكم و حشو أذهان التلاميذ، عند شرح النصوص، فإن كان التلميذ ذا وله بالعلم، أكمل مادة البحث بنفسه، وإن كان غير ذلك، وفّرتُم عليه و على أنفسكم عناء التدريس''.

 

وقال لي ..

 

''إنني أرى في هذا الزمن، الذي كثرت فيه المشاغل، وضعفت فيه الهمم، أن يقوم الشاب بعد دراسة المختصر، بالتخصص في باب يتقنه، تاركا التخصّص في باقي أبوابه لغيره، على المنهج العصري''.

 

و قلتُ له ذات يوم ..

 

إني لاحظت أن الشيخ خليل، كثيرًا ما يأتي بمسائل في غير مظانّها .. كتعرّضه لمسائل من الضمان في باب الذكاة، و تعرّضه لبعض أحكام السماع في بابي النكاح و الشهادات، و كبسطه لأحكام الجار عند الكلام على الشركة ..

 

فقال لي ..

 

''هذا ما حدا ببعضهم إلى التأليف فيما يعرف بفقه الشوارد، و لكن لا بدَّ من القيام بعمل شامل في هذا المجال، يكون دليلا للباحث عن الفروع، في نص المختصر و شراحه''.

 

وفي شأن المُختصر .. نبّهني أن هناك جوانب فقهية مُهمة، أغفلها الشيخ خليل، في حين بسطها الشيخ محمد بن أبى زيد القيرواني، في آخر، رسالته باكورة المذهب، عند كلامه على ما يُعرف بالآداب.

 

وعندما رجعت إلى الآداب في الرسالة، بشرح أبي الحسن المنوفي، و حاشية العدوي عليه، وجدتها بحرًا زاخرا من الأحكام المعيشة المتنوعة، التي لا غنى للمسلم في حياته اليومية عن معرفتها ..

 

كحكم صبغ الشعر، وأحكام قتل الحشرات، وما يقال في تقبيل اليد، والعناق، والنمص، والوشم، واللباس، والتعالج، والرُّقى .. إلى غيرها، مما لا يتّسع  المقام لاستيعابه.

 

و كنتُ مرةً أدرس عليه من دالية العلامة محمدفال بن محمذن ''ببَّها" ..

 

التي ضمّنها الألغاز الفقهية لابن فرحون المدني، والتي صدّرها بمرثية لابن عمّته، العلامة محمذن بن عمر بن الأديبْ الفاضلي ..

 


ألا حَيِّ دورًا بالأبُـيْـتر مِن دعدِ  °°° عفتها روايا الدلوِ بعدكَ و السَّعدِ

و بالوهدِ وهدِ البيرِ دورًا مُحيلةً °°° لدى حيثُ قلَّ الطلحُ مِنْ ذلكَ الوهدِ

فأصبحْنَ لا يُعرفْنَ إلا توهُمًا °°° و صرفُ الليالي عهدهُ أكذبُ العَهدِ

تحلَّتْ بِميٍّ بُرهةً ثمَّ عُطِّلتْ °°° فما ثم َّ مِنْ مَيٍّ و ما ثمَّ من دعدِ

كما قدْ تحلَّتْ بالأديبِ مُحمذن °°° سليل الأديبِ ذي المآثر و المجدِ

 

فلما وصلنا في القصيدة إلى قول لمرابط ''ببَّها'' ..

 

و منْ يكُ ما استثناهُ ساوى الذي مضَى °°° فصحَّتْ لهُ ثُنياهُ عند ذوي القصدِ

 

 

بيّن لي الشيخُ، أن الملغز به في البيت هو الاستثناء المُستغرقُ في الوصية، فإنهُ يؤثر فيها ويبطلها، خلافا للقاعدة، من أن الاستثناء المستغرق لا يفيد شيئا ..

 

فمن قال لزوجته "طلقتك ثلاثا إلا ثلاثا" ..

 

حكم عليه بالثلاث، ولمْ يفدهُ استثناؤه المُستغرقُ ..

 

وكذلك لا أثر له في الهبة ..

 

كمن قال أعطيتك ألفا إلا ألفا ..

 

حُكم عليه بالألف ..

 

هذا بعكس الوصية، فمن استغرق فيها الاستثناء بطلت ..

 

كقول الموصي .. أوصيتُ لفلان بألف إلا ألفا.

 

عندها سألته ..

 

ما سبب تأثيره في الوصية دون الطلاق و الهبة ؟

 

فأطرق قليلا ثم قال لي ..

 

"ألا ترى أن الوصية يجوز للمُوصي الرجوع عنها، بعكس الطلاق و الهبة، فربما جعلوا الاستثناء المُستغرقَ في باب الوصية، من باب الرجوع عنها".

 

فاستحسنتُ التعليل واستسغـتُـه، بحيث إني لم أرجع للكتب للوقوف على تأويل منصوص للفرق، مع أن الشيخ أجابني على وجه التنظير من غير قطع.

 

و كنتُ يومًا أقرأ عليه من نظم .. مراقي السعود في الأصول للعلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، وتحديدا في مبحث مفهوم الموافقة.

 

وبعدما قال لي إن مفهوم الموافقة نوعان ..

 

فحوى خطاب

 

ولحن خطاب

 

وإن فحوى الخطاب .. هو أن يكون الحُكم المسكوت عنه من باب أحرى.

 

فقوله تعالى ..

 

"ولا تقُلْ لهما أُفٍّ ولا تنهرهما''

 

يُفهم منه بالأحروية، النهيُ عن ضرب الوالدين، وإن لم يرد النهي عن الضرب صريحا في النص.

 

وبعد أن بيّن لي أن لحن الخطاب، هو أن يكون الحكم المسكوت عنهُ مساويا للحكم المنطوق ..

 

سألته ..

 

وما مثال الحكم المسكوت عنه، المُساوي لقول .. ''أُفٍّ" للوالدين ؟

 

فأجابني سريعا بالحسانية ..

 

مثالهُ .. "التِشڭامْ".

 

وعند تناولنا لمبحث مسالك العلة في باب القياس من الأصول ..

 

أتذكّر أنه مثّل لي مسلك السبر، تمثيلا جعل معناه عندي حاضرًا، من غير حاجة لمراجعته.

 

لقد قال لي الشيخ ..

 

"إن السبر هو ما يُعرف عندنا محليًا ب التِشڭاطْ، وهو تهذيبُ الشجرة، بقطع ما طال، وأخذ ينمو في غير نظام من أغصانها".

 

فالسبر في القياس .. أن يقوم الأصولي بحصر أوصاف الأصل المَقيس عليه، ثم يقوم بعد ذلك بإبطال ما منها لا يصح أي يكون علة، بطريق من طرق الإبطال.

 

فما بقي من الأوصاف بعد عملية الإقصاء هذه، ثبت علة للحكم.

 

كتعليلهم حرمة الربا في القمح بالاقتيات والادخار، بعد أن قاموا بإقصاء كل ما لم ينهضْ علة للتحريم، من أوصافه الأخرى، كالمالية والطعمية وغلبة العيش .. إلخ

 

و سألته يومًا ..

 

هل من تخفيف في تحريم المالكية بيع طعام المُعاوضة قبل قبضه ؟

 

فأمرني أن آخذ جزءًا من كتاب أظنه المُغني لابن قدامة، وأن أفتحه عند صفحة حدد لي رقمها ..

 

فإذا بالكتاب قد استعرض بتفصيل، خلاف العلماء في تكييف القبض ..

 

فأبو حنيفة .. يرى أن القبض يحصلُ بالتخليةِ، أو ما يُعرف بالإقباض، أي أن يُخلَّى بين المثشتري والطعام المَبيع، بحيث يمكنه التصرّف فيه بلا مانع، ولو من غير قبض حسي.

 

أما الإمام أحمد بن حنبل .. فقد سلك مسلكا وسطا بين مالك وأبي حنيفة، فهو – وإن كان لا يشترط القبض الحسي – إلا أنه يشترط تمييز الطعام المبيع، بحيث يمكن قول .. هذا ما اشتراه فلان.

 

ولا يخفي ما في هذا من التوسيع، في بيع وثائق الطعام، أو ما يعرف ب "البَوهات'' ..

 

وعرضت عليه مرة، نظم شوارد الفقه، للعلامة امحمدْ ولْ أحمد يورَ، المعروف ب"فرحة الصبي و تحفة الغبي" ..

 

فلما و صلنا إلى قوله في باب الهبة، متكلمًا على حكم ما وُهب للصبي ..

 

وما وهبتَ لصبيٍّ ذِي أبِ °°° فلِأبِ الصَّبِيِّ ليسَ للصَّبِي

 

 

قال لي ..

 

"اعلم أن كلام امحمدْ هنا، في الغالب، أما إذا كان ما وُهبَ للصبيِّ بسبب مكانة أمه، فإن الأم تختص بالشيء الموهوب دون الأب.

 

وأتيته يومًا ل.. أشرع في قراءة نظم قواعد الزقاق .. المعروف ب"المنهج'' ..

 

فأحسست منه تحمسًا لتدريس هذا الفن الراقي من العلوم الإسلامية ..

 

وقال لي ..

 

"إن عدم اهتمام أوساطنا المحظرية، بما فيه الكفاية، بعلم القواعد، خلق قطيعة بين طائفتين من أهل العلم .. تطرّفت كل واحدة منهما في جهة، فطائفة اهتمت بالأصول الكلية، حتى ادّعت الاجتهاد، و طائفة تعلّقت بالفروع، فجمدت على النصوص، و في رأيي أن علم القواعد هو الحلقة المفقودة، لسد الفراغ بين الأصول الكلية والفروع".

 

و لعل هذا ما أشار له الشيخ في مستهل نظمه البديع، في أحكام مستجدات العصر ..

 

فبعضهمْ مال للانعزالِ °°° تورُعًا مِنْ هذه الأحوالِ

وبعضُهمْ مال للاجتهادِ °°° مع انقطاعهِ بكُلِّ وادِ

فضاعتِ الأحكامُ بينَ ذينِ °°° وظهرَ الجهلُ على وجْهينِ

 

 

و عندما تقدّم بنا الدرس، في منهج الزقاق، ووصلنا للقاعدة الخلافية ..

 

هل تتعلق الذمة بالعين ؟

 

بيّن لي أن من تطبيقات القاعدة ..

 

شخصٌ يُتعامل معهُ اتكالا على حانوت له، أو حرث .. ثم شاءت الأقدار ضياع تجارته أو حرثه ..

 

هل يتعلق ما يُطالب به من الدين بذمته، فيتبعه به صاحب الدين، أم أن الدين يبطل لتعلقه بتلك العين الضائعة ؟؟

 

ثم قال لي ..

 

"لقد كان في الخلاف المندرج تحت هذه القاعدة مخرجٌ لبعض الموريتانيين العائدين من السنغال سنة 1989 .. والذين ضاعت تجارتهم وهُمْ يُطالبون بديون في تلك البلاد.

 

وبعدها كنت أتساءل ..

 

هل يمكن أن يكون في هذه القاعدة الخلافية، تنظير لما يعرف اليوم بالشركات ذات المسؤولية المحدودة ؟

 

وعندما فرغنا من منهج الزقاق في القواعد، وقبل الشروع في تكميل المنهج، للشيخ ميّارة الفاسي، أرشدني أن ألخّص القواعد في شكل جدول من ثلاثة أعمدة ..

 

عمود أضع فيه نص القاعدة الخلافية ..

 

وعمود ثان أضع فيه ما يندرج تحتها من الفروع الفقهية ..

 

وعمود ثالث أضع فيه الراجح في المذهب من الخلافات المنطوية تحت القاعدة ..

 

على أن استعين في ملء العمود الأخير بتأليف .. "الدليل الماهر الناصحْ شرح المجاز الواضحْ على قواعد المذهب الراجحْ" للعلامة محمد يحي الولاتي، و هو كتاب فريد من نوعه، لكونه كتاب قواعد وفقه.

 

و حدّثني أنه زار محظرة الشيخ العلامة الورع .. أحمدو بن محمذن فالْ الحسني، في إطار بعثة من وزارة التوجيه الإسلامي ..

 

فسأل تلامذتها، وقد تحلقوا شيخهم ..

 

ما هو الوزن الصرفي لكلمة ''ملائكة'' ؟

 

فانتصب في الحال للجواب منهم تلميذ لامع ..

 

وقال مُصيبًا ..

 

"وزنها .. مَعافلة، لأنها من فعل ألِكَ على وزن فعِل، وقد تقدمت العين في بناء الكلمة على الفاء".

 

"وألكني إليه في اللغة معناه .. كن لي رسولا".

 

"قال عمر ابن أبي ربيعة في رائيته المشهورة" ..

 

ألِكْني إليها بالسلامِ فإنهُ °°° يُشهِّرُ إلمامي بها وينكِّرُ

 

 

وكم مرةَ لم يخف فيها مدى طربه للأنظام التعليمية، للعلامة الشاعر امحمدْ ولْ أحمديورَ ..

 

خاصة قوله في أنواع الدلالات عند أهل الأصول ..

 

دلالةُ الإشارةِ الرفثُ جَا °°° في ليلةِ الصومِ بها مُمتزجَا

وذاتُ الاقتضاءِ منها رُفعَا °°° في خبرٍ إلى النبيِّ رُفِعَا

 

وكقوله في حكم قراءة الحديث بالمعنى ..


قراءةُ الحديثِ بالمعنى اختلفْ °°° فيها رجالٌ من أكابر السَّلفْ

فذهبتْ للمنعِ منهمُ زُمرْ °°° مُوافقُو عبد الإله بنِ عُمرْ

والحقُّ أنَّ العارَ كلَّ العارِ في °°° تبديلِ لفظهِ لغيرِ العارفِ

 

 

وبينما كان يحدّثني يومًا عن جودة أنظام امحمدْ، واصفا إياها بالشعر ..

 

قلت له ..

 

لقد نظم امحمدْ بشكل وافر في كبريات العلوم المحظرية، إلا في التوحيد، فقاد كان مُقلا فيه !!

 

فأجابني ..

 

''ما كان امحمدْ يومًا شاكًا''.

 

بعدها استحضرت قول امحمدْ ..

 

تقنعتُ من حوك القناعة حُلَّةً °°° تذالُ عروضي دونها ورَقِيني

وإنْ شكَّ في المامولِ غيرِي فإنني °°° يقِيني من الشك المُريبِ يقيني

 

 

و تشعّب بنا الحديث يوما في مسائل شتى ..

 

فقلت له ..

 

سمعت بعض المثقّفين المعاصرين يقول .. إن هناك نوعا من الأسلوب البلاغي، يُستخدم كثيرًا في الفرنسية، وفي لغات أخري، وحتى في الحسانية، ولا جود له في الأسلوب العربي الفصيح ..

 

وهو أن يبالغ المتكلم في الصفة، بنفي ضدها ..

 

وهو ما يعرف بالفرنسية ب La litote

 

كقولنا بالحسانية .. "ما خاسرْ إعليهْ شِ" أو "ماهُ مِسْتحفِ" ..

 

فقال لي بالبديهة ..

 

لقد قال تعالى ..

 

"وما صاحبكمْ بمجنون".

 

وفي بعض الأحيان .. يُملي علي أبياتا نظمها في مسائل مختلفة، هي في الحقيقة مقطوعات شعرية، لسلاستها و تدفّقها، وطرافتها ..

 

كقوله .. ناظما الخلاف في مسألة غسل الجمعة السني ..

 

هل يحصل به غسل الجنابة الواجب ؟

 

مصورًا ذلك في شكل ملحمة، أبطالها أعيان من أهل المذهب ..

 

كنانةٌ ونافعٌ والماجشونْ °°° ابناءهمْ مع ابن وهبٍ قائلونْ

ما قالهُ مُطرِّفٌ من اغتسلْ °°° لجُمعةٍ غسلُ الجنابةِ حصلْ

وخالفَ الجميعَ نجلُ القاسمِ °°° وردَّهُمْ في حالةِ التقاسمِ


وقالَ إذْ حفَّتْ به الأعنَّهْ °°° ما كُنتُ اقضي واجبًا بسُنَّهْ

 

و كقوله في نطق الجيم ..

 

محسنا العزو للشيخ محمد المامي ..


خديجةٌ وجعفرٌ وجابرُ °°° جيمهمُ تمَّ لها التواتُرُ

ينقلُها عن كلِّ جيلٍ جيلُ °°° مِنْ غيرِ أنْ يدخُلها التبديلُ

وجلُّ أهلِ النَّحوِ و الأداءِ °°° ما كانَ مِنْ عربنا العرباءِ

فوصفُوا الجيمَ كما قدْ نطقُوا °°° ورُبَّ سهمٍ في السَّمَا يُفوِّقُ

مسالةٌ أجعلها أمامِي °°° يقودُها الشيخُ محمدْ المامي

 

 

و كان للشعر و الأدب دائما نصيب غير قليل في ذلك المجلس ..

 

فمما أنشدني .. قطعة مديحية بديعة، قالها في شكل تغطية صحفية لليلة الإسراء ..

 

خذْني المُراسلَ ليلةَ الإسراءِ °°° كيْما أحدثَ ساكني البطحاء

هذا البُراقُ مقدَّمٌ لمُحمَّدٍ °°° صلَّى عليهِ مُكوِّنُ الأشياءِ

يأتي به الروحُ الأمينُ محمَّدًا °°° تبدو عليه علامةُ استحياءِ

 

إلى أن يقول ..


ما ذا أقولُ السِرّ أصبح غامضًا °°° والذاتُ بين تخوفٍ ورجاءِ

يدعوك عنهُ نحوهُ في ليلةٍ °°° أكرمْ بتلكَ الليلةِ الغرَّاءِ

 

 

ومما أنشدني له .. قطعة رائعة في رثاء أحد أعيان الحي، فضلا و كرما ..

 

هو الجواد الفاضل أحمدو بن المختارْ بن محمذن بن بابكرْ

 

يقول في أولها ..

 

وداعا يا ابن زائدة الأيادي °°° ويا معْنَ العشيرة والبلاد

وداعا للفتوة يوم ولت °°° تشاركها السماحة في الحداد

على الفياض أحمدُّ يوم ولَّى °°° وأضحى الجو يرفلُ في السواد

وداعا للسيادة والمعالي °°° وإنفاق الطريف مع التلاد

 

 

ومما أتذكّره أني أتيته يوما في رمضان سنة 2007 فمكثت معه ساعة، سلمنا فيها من مقاطعات الزوار ..

 

فاستفاض لي في مسائل عقدية وصوفية لا يمل سماعها.

 

قال لي في ذلك المجلس ..

 

"إن الفرق بين العارف بالله، وغيره .. أن الأول يحضر عنده نفي التأثير عن الأسباب دائما، "عندها لا بها'' .. في حين يستسلم الثاني لتكرر العاديات، فيحسب أن السكّين لا بد قاطع، وأن النار لا بدَّ مُحرقةٌ .."

 

"قال المقري في الإضاءة عند الكلام على الصفات" ..


ونفيُ تأثير عن الأسبابِ °°° يُعرفُ منْ برهان هذا البابِ

كالماء للريِّ وكالسكِّينِ °°° والنّارِ في القطع وفي التسخينِ

وقدرةِ العبدِ وغير ذلكْ °°° فالكُلُّ خلقٌ للقدير المالكْ

 

 

و قال لي ..

 

"إن تحديد قدر معين في الأذكار، قد يكون لسر في ذلك العدد، و لكن المقصود من كثرة العدد، أيا كان، هو أن يصادف الذاكر لحظة حضور بالفكر، ولو مرة، لينال إحدى أفضل مراتب الذكر، التي أشار لها محمد مولود في نظمه لمحارم اللسان" ..

 

وعملٌ على رياءٍ أفضلُ °°° مِنْ تركهِ لخوفهِ وفضَّلوا

ذكر اللسانِ غافلَ الجَنانِ °°° على غُفولِ القلبِ واللسان ..

 

 

و في مجلس، ضمّ رجلا من شرفاء قبيلة الأقلال ..

 

قال لي ..

 

"أتعرف إن قبائل موريتانيا، يحتضنون من معهم من أهل البيت، إلا الأقلال، فقد احتضنهم شرفاءهم"

 

في إشارة لقصة سيدي بوبكر الشريف الشهيرة، مع أبناء محمد قلي.

 

و مرة .. أتى بنا الحديث على علم الحساب ..

 

فقال لي .. من بين طُرف فيه كثيرة ..

 

إنه زار دولة الجزائر، في وفد ..

 

وكان من بين محطات الزيارة، رؤية بناية شاهقة، يفتخر بها الجزائريون آنذاك.

 

فقال لهم .. يمكنني معرفة طولها ببساطة.

 

فقالوا .. و كيف ؟

 

فقال ..

 

آخذ خشبة بطول متر .. وأوقفها عموديًا على الأرض، وأحسب النسبة بين طولها وطول ظلّها ..

 

ثم أضرب تلك النسبة في طول ظل البناية .. فأحصل على طول البناية نفسها.

 

لأن النسبة بين الأشياء وظلالها في وقت محدد من النهار ثابتة لا تتغيّر.

 

و سمعته مرات يتكلم عن أثر الاتصال بالوسط الأميري ''المحصر" .. في صقل القرائح، ورفع الهمم، وتنقية النفوس من الكثير من الأدران، اللصيقة بالمجتمع البدوي.

 

و قد بالغ لي، غيرما مرة، في حدّة ذكاء خاله، القاضي محمذن بن محمدفالْ "امّييْ''، ونباهته في التعاطي مع الأمور، ودقّة حسّه في تناول النوازل، متحدّثا لي عن مدى تأثيره في تكوين شخصيته، بكل جوانبها ..

 

حتى أني سمعته يومًا يصفه بالأب الروحي.

 

 

وما هذه إلا لقطات .. من بين أخرى كثيرة، ثنيت عنها العنان، وأمسكت اللسان ..

 

فلكل منها جمهورها الخاص، ومقامها المناسب.

 

 

عزالدين ولد كراي ولد أحمديورَ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share/Save/Bookmark
 

التعليقات 

محمد الميداح
هذا نص سمين صيغ بانسيابية عالية٠ شكرًا لأخينا عز الدين و يا ليت المجالس كلها كانت مثل هذا المجلس !
 
الأحد, 13 يوليو 2014
تلميدي
هاذي إقرايا مظبوطه
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
ولد سيدي
امخيخ
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
فتبارك الله
الله يحفظك أينصرك ووفقك .
وهل ينبت الخطي ........
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
سيدي محمد متالي
تقييدات ممتازة.. تكرَس قيمة مجالسة العلماء.. أو مجلس العلماء على الأصح... لا فض فوك.. و بورك قللمك.. و أقول لك فقط.. (.. لاغرو..).. و أورد هنا بيت يحي بن البرا في العلامة إباه ولد عبد الله من ضمن أبيات عندما يقول:
آمنت أن له سرا و أن له_____ علما لو أدركه.." الآذان ما صغرت"..
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
حمداوي
هذا النص يالل اشوفوه الناس اللي شاربه حمدا في اميها اكليله
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
ألد لمارة
هاذ ما خاسر إعليه ش معناه عند وريث علماء إبير التورس
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
toutou
الحمد لله و تبارك الله النص رائع والمجلس اروع ولا غرو

اطال الله بقاء الشيخ حمدا
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
أفيت/بركام
أطال الله بقاء هذا الشيخ صاحب هذا المجلس ونفعنا ببركته وعلمه المتبحر وبارك الله فينا وفيه ؛ أدامه بين ظهرانينا صحيحا قويا بفضل هذا الشهر العظيم وما في صدره من العلوم آمين.
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
سيدي أحمد ولد الامير
جزاك الله خيرا أخي عز الدين

ونفعنا بك وباستاذي الشيخ حمدن

فهذا علم غزيز وفوائد ﻻ تقدر بقيمة...

هذا الأسلوب وهذه النوادر "عليها وسم أهل العاقل" كما قال الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديا...

وهو وسم العلم الغزير والخير العميم واتباع السنة ومحبة خير الخلق صلى الله عليه وسلم. ..
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
متكيدي
كتب النص بأسلوب جيد وبلغة سهلة ،،

كان لدي بعض الإستنتاجات

أولها أن حمدا يدرّس بأسلوب عصري يسمح للطالب أن يشغل عقله وقلبه في استنتاج الأحكام ويبحث بنفسه عن أي نازلة إعترضت سبيله،،

ولا يفوتني هنا الا أن أسجل بأن هذا النموذج من التدريس هو السائد في منطقة إكيدي، حيث يمكن للطالب أن يكتشف أمرا قبل أن يكتشفه شيخه ،،

شكرا لك علي إشراكنا في دروسك علي الشيخ حمدا حفظه الله ورعاه و أدامه ذخرا للإسلام والمسلمين.
 
الاثنين, 14 يوليو 2014
حد
عز الدين شاب نموذج الله ابارك فيه وفي اخلاقه
 
الثلاثاء, 15 يوليو 2014
أحدهم
أطال الله بقاءك يا أخانا عز الدين

....
 
الثلاثاء, 15 يوليو 2014
O. PEPE
هاذ ما خاسر إعليه ش.
 
الثلاثاء, 15 يوليو 2014
محجبوب
ذاك ذاك كيـــف
 
الثلاثاء, 15 يوليو 2014
عبد الله ابن احمدو
شذرات وذكريات جميلة من كنوز العلم والشعر ...اطلب الشيء في إبانه واعتقد أن الابيات المنسوبة لمحارم اللسان حسب النسخة التي بحوزتنا ليست فيها ولكنها من مطهرة القلوب على مااعتقد وكلاهما لمحمد مولود ول أحمد فال الموسوي
 
الأحد, 05 نوفمبر 2017
- التعاليق لاتعبر بالضرورة عن وجهة نظر المذرذرة اليوم
- التعاليق التي تحوي تجريح بأي شخص أو جهة سيتم حجبها

الإسم:





فلسطين

إعلان

إعلان

الموقع على

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 8763182

البحث