قصة حياة عبد من عباد الله

جدي أحمد ولد عبد الله ولد أحمنَّ رحمه الله .. ودعته قبل وفاته بأيام ثلاثة!! كان مضطجعا على جنبه يتأمل تأمله المعتاد، فاقتربت عند ظهره لإلقاء تحية، يبدو أنها كانت النظرة الأخيرة ..

 

سألته أن يسامحني، فبادر يمازحني مزاحا أزاح الكثير والكثير... من كوامن أشياء الدخيلة، وبقي الكثير والكثير...

 

 


ودعته وبودي لو يودعني --- صفو الحياة وأني لا أودعه

 

 

 

ظل رسم تلك النظرات - في ظهيرة ذلك اليوم - مطبوعا في خلدي، ولما يمحه تعاقب الحدثان! كأني أنظر الآن إلى ذلك الوجه الصبوح المشع نورا، والمُحَدث بصمت عن طيب دخيلةٍ ويمن نقيبةٍ تقرأ بيان خطراتها من مدلولات قسمات أسارير الوجه ونظرات العينين.

 

كلما نظرت إلى طلعة وجه فتح الله غولن دون تأمل قلت كأنه وجه أحمد - رحمه الله - أما إذا أمعنت التأمل أجد أن ذلك التشابه هو شبه تطابق في العيون ونظرتها، مضاف إليه تشابه آخر بين أنفيهما، لكن أحمد كان عريض صفحتي الوجه، ضليع الفم، خفيف اللحية، تقرأ في وجهه أشياء كثيرة، تعلوه هيبة ووقار، والسكينة إلفه سواء صمت أو تكلم، كان أصلع الرأس أشيبه، أطول من المربوع، مع بدانة لم تزر باستواء قامته.

 

توفي بعد أن نافَ على التسعين ممتعا بصحة بدنه، غير معلول في أي من حواسه، وإن كان به قليل من صمم، وتارة تلم به حساسية بسيطة في الجفن الأسفل من عينه اليمنى، وأما غير ذلك من إصابات الحواس فلا أذكر أنه أضره، عانى بعض الوقت من ألم في الركبتين، دون أن يتسبب ذلك في إقعاده عن المشي والقيام بأمره، أجريت له عملية جراحية واحدة لاستئصال الزائدة موفية عقد الستينيات أومستهل السبعينيات، وسوى ذلك لا أعلم له مقاما بأي مستشفى.

 

في مبتدإ القرن الماضي كانت أرض البيظان مقبلة على تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية هامة، كانت تلك التحولات نتاج دخول الفرنسيين للبلاد، الذي بدأ مع أعوام القرن الأولى.

 

في عام 1319هـ الموافق للعام 1902م ولد أحمد، وكما أضاء بدر أفلت بدور، ففي ذلك العام توفي أعيان منهم: محمذن ولد محنض بابه، والشيخ أحمد ولد الفالي - رحمهما الله - وفي السنة نفسها كانت معارك قرب دگانه بين أحمد وسيدي ابني سيدي وأحمد سالم ولد اعل - رحمهم الله - وفي العام أحداث أخرى....

 

ولد أحمد لأبيه عبد الله ولد أحمنَّ ولد محمذن ولد حبَ الله ولد محنض أشفغ ولد الفالي ولد بارك الله.

 

وأمه سكينة بنت الكوري ولد أمينُ ولد النفع ولد هادي الأمين ولد حبَ الله ولد أحمد ولد بارك الله.

 

جمع أحمد بين بيتين من أعز البيوتات الديمانية، فيساوي الجمع بينهما في حسابه: مباءة العلم والتقوى والصلاح ومُثل الأخلاق الحميدة:

 

من بارك الله حبَ اللَّ بالمجير --- لــقبه والد من حر السعير

في بيته التــــقوى وفي أبناء --- سيدنَّ كان مجلس القضاء

وبيت الأخوال بيت رفيع الدرجات، دعائمه الهداية والأمن والمنافع والرفعة...

وكان من هادِ الأمين النفع --- والــــرفع فيه ظاهر والنفع

منه أميـــنُ وبــنوه وأخـــوه --- مولود واقتدى بمولود بنوه

 

في ذلك المحيط المحاط بأسوار قيمٍ ديمانية محضة لا شية فيها، تربى أحمد، ودرس القرآن وهو غض الإهاب على والده وعمته الدوتُ بنت أحمن والدة تِربه وخليله العالم العامل الفاضل أحمد سالم ولد بارك الله رحمهم الله.

 

بعد أن حفظ القرآن بعثه والده إلى "انْدَيْگَنَّ" ليزداد علما في محظرة حامد ولد محمذن ولد محنض بابه، وفي المدرسة مكث غير قليل، وخلال السنوات تلك كانت صلاته أكثر بوالده عبد الله الذي كان مستقرا بـ "آمْنَيْگير" يمارس التجارة حيث يشتري البضائع من "ادْوَيْرَه" جنوبا، وإذا كان موسم "الگَيْطْنَه" يستجلب التمر من آدرار ويبيعه في مناطق من الترارزة.

 

كانت والدته سكينة زوجة المختار ولد سيدي ولد المزروف الذي انزاح خلال تلك الأزمان إلى منطقة لبراكنة تتبعا لمساقط القطر وطلبا لخصيب المراعي، حيث كانت للمختار ثروة كبيرة من قطعان البقر، وقد استقر في مضارب الترارزة الشرقية القصية المحاذية لمناطق البراكنة، كما كانت لسيدي والد المختار علاقات ببعض قبائل تلك المنطقة فقد درَّس القرآن في أحياء "ادْرَوَاتْ".

 

جاء أحمد إلى والدته بعد سنوات من المقام في المحظرة، وصل مساء، ولم يستطع السلام عليها لمعتبرات العادات الديمانية!  ليكون لقائهما على حين هدأة من الليل بعد أن نام الناس.

 

مكث أياما وعاد إلى المحظرة التي كان يُقَطِّع الركون إليها بزيارات والده، وخالته ابَّيَه بنت أمَينُ عقيلة أحمد سالم ولد باب الدين.

 

أنهى أحمد دراساته المحظرية وكانت متطلبات المرحلة تراوده عن نفسه لتحمل مسؤوليات الأسرة، خاصة بعد وفاة والده عبد الله الذي توفي خلال أوبة تجارية من دَگَانَه.

 

كانت الخيارات قليلة أو شبه محصورة في العمل التجاري، ما جعل أحمد يسافر إلى السنغال ليمارس التجارة، لكنها ممارسة كانت جدُّ مختصرة، فقد بدأ العمل في أحد المحلات ضحى، وبعد ساعات حدثت سرقة في المحل، وأوجس في نفسه خيفة، فخرج من المدينة خائفا يترقب! ووصل إلى خلاء فجلس يسأل الله أن يظهر أمر تلك السرقة، وقد أجابه ربه، فما عاد إلى الدكان حتى ألقي القبض على السارق، حينها ودع أحمد التجارة بعد ساعات يسيرة من العلاقة بها، ولم يتجر بعد ذلك اليوم إلى أن لقي ربه.

 

بدأت رحلته الميمونة مع القرآن التي امدت نحو قرن من الزمان، فما كان الله ليريده إلى غيرها.

 

كانت مكاسبه - رحمه الله - محصورة في العائد من تعليم القرآن، فقد درس أجيالا تعاقبت ألواحها على يديه الشريفتين.

 

اختط منهاجا صارما في ذلك حدده الورع الجبلي، فقد كان الطلاب على حد التساوي لديه، يريد للتلميذ أن يعود إلى ذويه بالذي جاء من أجله.

 

كان يأخذهم بالشدة واللين وفق حالاتهم، يفرح كثيرا بالنجباء، وجزء كبير من حديثه حول ذلك، ويأسف أيما أسف حينما يعاني أحد طلبته في التحصيل.

 

تمسك بالمنهاج التقليدي في طرائق التدريس، فقد كان - رحمه الله - حريصا على جدول زمني للدرس يبدأ بعد انفتاله من صلاة الصبح، حيث يتوافد الطلبة وتتعالى أصواتهم قراءة وتلاوة، فيكون في زحمة الحال يصلح لذلك، وينظر في لوح آخر، وينبه البعض، ويسارق النظر إلى الغافلين منهم، والجالسين طرفا.

 

لا يفوت سوانح التنبيه والأمر على تأدية نطق الحروف من حيث مخارجها، وكذا ترتيل الآيات كما أنزلت.

 

له كلمة معتادة في قاموس تدريسه، وهي: بَيّنْ، التي يقولها تنبيها وإشعارا لمن تلعثم، أوأسر بالقراءة.

 

لا يكلف التلاميذ غير ما أريد منهم من قراءة وحفظ، حتى الحبر يقوم على إعداده بنفسه، ويبري الأقلام، بطريقة خاصة متقنة.

 

كان حسن الخط واضحه، يقطع ساعات الدرس بالذكر ممرا أصابعه على سبحة زرقاء غير منمقة ولا مزركشة ولا مبدل لكلماتها: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله....

 

كان أكثر دعائه: "لا إله إلا الله قبل أن يحال بيني وبينها" ومن دعواته كذلك التي لا بد أن تسمعها منه كثيرا: "اللهم بارك لي في الموت وفي ما بعد الموت"

 

تَعجبُ غير قليل من سيطرته البدنية والذهنية على الحصة الدراسية، خاصة إذا كانت في أعداد الطلاب وفرة وكثيرا ما تكون.

 

إذا حل الضحى يكون الدرس قد أوشك على نهايته، ولم يبق من الطلاب بين يديه إلا المعيدين للحفظ، أومن خلفه الجهد وقعدت به قريحته، فلا يتركه أحمد حتى يستوعب ويحفظ الذي كتبه.

 

عندما ينقضي الدرس، يقوم في شأنه وقتا، بعد ذلك يصلي ركعات الضحى، ثم ينام قليلا، وبعد قضاء المقيل وصلاة الظهر، يستأنف الدرس بطريقته الصباحية، ولا ينقضي غالبا إلا بعد صلاة العصر.

 

يصلي المغرب ويصله بالعشاء تلاوة وأذكارا، فيقوم ناشئة الليل، وينام وسطه، ويعاود القيام هزيع الليل: صلاة ودعاء ويرتل القران ترتيلا، إلى أن يصلي الفجر، لتبدأ معتادات يومه.

 

كانت مدينة المذرذرة المقام الأطول لتدريسه، فقد درس فيها أعدادا كثيرة، وأجيالا مختلفة، يغيب عنها فترات، ويعود إليها، وغالبا ما يكون مكثه في غيرها في آمْنَيْگيرْ، أو ابَكِاكْ في مرحلة متأخرة، وأحيانا يختلف غير طويل إلى البادية الظاعية.

 

كان - رحمه الله - محببا عند الناس في المذرذرة، يختار العلاقة بالأخيار، ويختاره الأخيار، فكان يلم بمجلس القاضي حامد ولد ببَّها، وبينه والشيخ احماده ولد ابَّا صلات متينة، وكذا أحمد سالم ولد بَيَّباه، ومحمد عبد الله ولد التاه وغير هؤلاء كثير...

 

قضيت معه زمنا في المذرذرة خلال النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، لا أذكر أي سنة تحديدا، كان معي الزكي ولد أحمدو، ولم يكن أي منا تجاوز حينها سن العاشرة، كنا نعاني لهفة الشوق إلى التاگلالت، ويزداد مللنا ثقلا بأسباب الروتين اليومي والمراقبة المشددة، مع ما كان يبذله - رحمه الله - من سباق مع الزمن لنُحصل ما أمكن من القرآن.

 

لم أعقل كثيرا من مجريات تلك المرحلة لحداثة سني، فكنت أدرك أشياء وتغيب عني أخرى...

 

كنت أنا والزكي نفرح كثيرا بجلسة الشاي تلك التي تعقد في محل ما، لا أذكر أهي عند أهل أحمد أم في مكان آخر؟

 

من رواد تلك الجلسة فاطمة بنت الزيبر - رحمها الله - كانت سيدة فاضلة وضيئة الوجه، تخفف عنا الكثير من أعباء صرامة التدريس، وتزيح عنا بعض هموم ما ننتظره في الحصة المقبلة، كانت تمازحنا، فضلا عن الذي تهديه لنا من حلوى وتحف... كان الزكي يلقبها بـ "الكَهْلَه التي تَغْلَبْ أحمد" فقد كانت تحول بينه مع الضرب والتأنيب ساعة الدرس.

 

كانت فاطمة تمت بصلات قرابة كثيرة لأحمد رحمهما الله.

 

كنا نُسَر ساعة إياب أحمد من المدينة، فقد كان يتحفنا بالحلوى وبعض الطُّرف، يشتري ذلك غالبا مع متطلبات البيت من دكان أحمدو سالم ولد حرمه ذلك الرجل الهادي، الذي صمم دكانه بطريقة مغايرة لما عليه الدكاكين ساعتها، يجلس أحمدو سالم على كرسي اتخذه من صندوق خشبي مكسو بقماش، تحفه البضاعة، يضع الدفتر على ركبته لتقييد المعاملات، ويرد على الزبناء بتؤدة ووقار وهدوء.

 

كانت بين أحمد ووالدة أحمدو سالم محجوبة بنت أبنُ صلة قرابة ماسة، وكانت تبش في وجهينا وتقول لنا من الكلام ما يسرنا، كانت - رحمها الله - من رعيل وصنف فاطمة بنت الزبير.

 

وغير بعيد من ذلك الجانب من المدينة كان يختلف حسب السانحة - خاصة في أيام "خُروچْ" - إلى أهل المختار ولد محمذفال وأهل محمذن ولد لفظل وغيرهم من رحمه... كانوا هم كذلك يزورونه، عقلت محمذن ولد لفظل وأخته تيتَ، لقد كانا من الصالحين الأخيار، وكان المختار ولد محمذفال عالما ورعا عابدا، ولا أنس النَّاهْ - والدة أخي وصديقي الدكتور سليمان ولد حامد - كانت صالحة وقد التقيت بها بعد ذلك حينما سكنت معهم مستهل التسعينيات، رحمة الله على الجميع.

 

بعد تلك الفترة غادر أحمد المذرذرة نهائيا، إلى آمْنَيْگِيرْ ليستقر ثمَّ إلى حين وفاته رحمة الله.

 

كان آمْنَيْگِيرْ نمطا آخر، وأمة من الناس أخرى! ديانة وصلاح وزهادة وأخلاق ديمانية أصيلة، وأشياء أخرى... تذكرك بطهارة الأرض الأولى!

 

قف بربوع العلم والتحرير --- بالقرب من سرحة "أمنيگير"


وناد دورها المحــيلة بـــيا --- وآ، وأي، كــذا أيا، ثم هــيا

 

لا أتذكر أن دور آمْنَيْگِيرْ في ذلك الظرف تتجاوز عد أصابع اليد، في الشمال الشرقي دار أهل حبَابَه وفي الجنوب دار أهل بَدَادَه، وإلى الغرب منها بيتٌ أو دارٌ - لا أذكر أيهما - لأهل الدَّا، وفي الجانب الغربي دار أهل المحجوب، وقد كانت تستخدم للمدرسة، وفي الوسط - إن لم تخني الذاكرة - بيت للتجارة يقوم عليه سيدي أحمد ولد حرمه.

 

كانت أنوار التقوى، وسمو الأخلاق تضيء المكان، وشيم من صريح "التَّزَاوِيتُ" تحدد كل شيء في القرية، لا ترى النساء يتخطفن خلال البيوت، وكل رجل يغض من طرفه، والأطفال الذين كنا نلعب معهم كانوا نتاج خلق عظيم!!

 

إذا استعدت الآن تلك الصورة المرتسمة في خلدي عن العلامة أحمد ولد محمدا - رحمه الله - تذكرت ذلك الرجل الذي تخبرك ملامحه أول مشاهدة عن كل محامده ولا أحسب فيه غير المحامد.

 

وفي وجه وحديث ومشية عبد الله ولد امينْ تقرأ كثيرا عن الفضل وأهله، وتتلمح بيِّنا ما أردته عن نقاء ذلك الإنسان ووسطه.

 

كان المتقى ولد حرمه أستاذ المدرسة، رجلا تطمئن النفس كثيرا له، وترتاح العين إلى منظره، وهناك مدرسة أخرى قرآنية وأخلاقية وديمانية هي مدرسة بنات بدَّاه!

 

إذا نظرت إلى وجه مريم "امَّنَّ" بنت المختار ولد سيدي قلت لا شر في هذه الدنيا، إنسانة تكرم كل شيء، ولا أظنها عرفت ما يسمى الغضب!!

 

وإلى قريب منها أم الخيري "خَيَيْ" بنت أحمد محمود فقد كانت هي الأخرى من الصنف نفسه!

 

كل الناس في آمْنَيْگِيرْ من طراز واحد رفيع، أصيل الصنع، محفوظ الطبع!

 

كنت فترة بعد ذلك أكثر ارتياحا لأحمد وأقل رهبة منه، وذلك بعد أن توقفت عن الدراسة عليه، فكنت أزور آمْنَيْگِيرْ لقضاء عطلة أوزيارة خاطفة، ومازال في المرحلة تلك الزكي يكابد "معاناته" وقد التحق به امبارك ولد امخيتيري، ولعله أصغر أحد من العائلة رحل للدراسة على أحمد، فلا أظن عمره إذ ذاك يتجاوز خمس سنوات!

 

في تلك الفترة لم يكن أحمد يدرِّس الطلاب، فقد كان الزكي وامبارك وحدهما من يدرسان عليه.

 

كانت جلسة شاي تعقد ضحوة، وكنت أحضرها مرتاحا، كان ورادها أغلب الأحيان: محمذن ولد أدُّ ومحمدن ولد أحمد سالم ومريم بنت المختار وميمونة بنت أحمد سالم وتُوتُ وأحمد بطبيعة الحال، غالبا ما تقوم ماريَّه بنت محمود على إعداد الشاي، وقد كانت سيدة مرحة صاحبة مبادرات.

 

يدور الحديث هادئا مفعما بالإفادات خليا من النيل من أعراض الناس، تتخلله نكات من محمذن ولد أدُّ، ومزاح من ميمونة بنت أحمد سالم، وقليل كلام من مريم وأقل من ذلك من طرف أحمد، رحم الله الجميع،

 

بعض الأحيان ينضم المولود ولد سالم - رحمه الله - إلى الجلسة، كان يجيد الإصغاء، ويكثر الإستفغار بسبحة عتيقة كثيرا ما يضعها على رقبته.

 

في ذلك الظرف كان أحمد يعاملني كأحد افراد الأسرة المجتازين مرحلة الدراسة عليه، وإن كنت ما زلت حدث السن، وسأعود للتلمذة عليه في مرحلة لاحقة، وخلال عطلة صيفية أخرى مثلت أقوى دورة مكثفة مرت علي في حياتي.

 

كانت تلك الإجازة نهاية الثمانينيات، حيث أراد - رحمه الله - أن أستوعب أكثر ما يمكن استيعابه خلال تلك الأشهر، كتب لي "لوحينِ" وخصص وقت ما قبل الغداء، وبعد المغرب لتدريسي العلوم الشرعية، كان متفرغا لي، وقد بلغ مني الجهد، فكانت فاطمة بنت الجواد كثيرا ما تروح عني، وتزيح عن كاهلي وطأة التحصيل المكثف بحكايات طريفة وأمنيات جميلة، أسأل الله أن يرحمها.

 

كان أحمد - رحمه الله - يزورنا في التاگلالت كثيرا، وكنا نفرح بذلك فرحا لا يضارعه فرح، كانت زياراته مبعث مسرات والكثير من الخير والأفضال....

 

سكن التاگلالت فترة لم تطل كثيرا، وكانت آمنة بنت أبي بكر - رحمها الله - فاضلة حَيِية لا تبغي عن طباع بني ديمان حولا.

 

كان - رحمه الله - يلم بنواكشوط إذا دعته الحاجة إلى ذلك، فينزل في بيت أهل محمدن ولد محمذن فال، حيث أخته ميمونه.

 

كان محمدن عالما تقيا حسن الخط، أريحيا عقلته وسنواتي قليلة.

 

وكانت ميمونة - رحمها الله - آية في السخاء والجود وإكرام الناس، إذا اكتفى ضيفها من الأكل أوالشرب ورفع يده أو وضع الإناء، تناشده الاستزادة وتلح عليه إلحاحا عجيبا لا يتصوره إلا من حضره، كانت - رحمها الله - من كرماء الدنيا.

 

كان فضل الله على أحمد عظيما، فلما لم يمارس تجارة، ربح بيعه مع الله، فقد عاش موفور النعماء، لديه كفافه غني عن سوى ربه، فما اتخذ مكاسب غير تدريس القرآن، ولا عمل صنائع غير المعروف.

 

كان عالما عاملا تقيا، ورعا مجاب الدعاء مسلول سخيمة القلب طاهره، مع صقالة لقالب.

 

كان معانا على ذكر ربه وشكره وحسن عبادته، صرف الله قلبه إلى طاعته فلم يبغ عنها مصرفا.

 

كان دائم الفكرة، نزر الكلام يترك اللفظ يخرج على سجيته من غير صنعة ولا تكلف ولا اجتلاب تأليف.

 

يطيل النظر إلى القبلة، يثني رجله اليسري ويرفع ركبته اليمنى ويمسكها بكلتا يديه، كانت تلك جلسته المعتادة على "إِلِويشِه" الأصفر الوثير.

 

يعتني كثيرا بهيئة منظره من تهذيب وتصفيف لحية، وملبس، كان يحب الطيب، عمامته سوداء دائما، ودراعته زرقاء غالبا، ونادرا ما يلبس البيضاء.

 

له كنانيش ضخمة يحرص عليها أكثر من حرصه على كتبه وأغراضه الأخرى، في تلك المجاميع أنظام كثيرة، وتأليف مختصرة، وفوائد جمة وأدعية وشواهد، أحسست من خلال تصفحها بعد وفاته أنه شاذلي الطريق، أو له صلة روحية واصلة إلى ذلك المشرب، ضمن الكنانيش كثير من الأنقال عن لمرابط محمذن فال ولد متالي ولمرابط يحظيه ولد عبد الودود، والكثير الكثير من النقول عن لمرابط محمد سالم ولد ألما، فضلا عن حامد وبارك الله إبني محمذن وكذا محمذن بابه ولد داداه، وأبناء بيدح وغيرهم... رحم الله الجميع.

 

حوت كتبه الوافر من مصنفات التجويد والرسم، أذكر من ذلك عطية الوهاب للمختار ولد بيدح رحمه الله.

 

وضمن الكنانيش كذلك غير القليل من العزو في النقول إلى أبي حامد الغزالي وأبي الحسن الشاذلي وغيرهم من السلف الصالح رحمهم الله.

 

ما كان - رحمه الله - يشغل نفسه إلا بما يعينه من دنياه على آخرته التي أرادها وسعى لها سعيها، وكان سعيا مشكورا.

 

لم يحد عن ذلك النهج القويم والسبيل السالك إلى أن لقي ربه.

 

في سنتيه الأخيرتين قل حراكه، بسبب آلام الركبتين، لكنه ظل حريصا على القيام بشأنه، إلى شهوره الأخيرة حيث كان ضجيع الفراش، مع إدراك تام، وقرآن لا تتأخر ختمته عن موعدها، وأكل قليل، وكلام يسير.

 

خلال سنواته الأخيرة تفرغت تُوتُ - أطال الله بقائها - لشأنه، وما فارقته إلى أن ودعته إلى مضجعه الأخير في مقبرة آمْنَيْگِيرْ صبيحة الإثنين في الرابع من محرم عام 1415هـ الموافق لـ الثالث عشر من يونية عام 1994م

 

قال محمدن ولد بارك الله في رثائه:


رحماك يارب نرجو فارحم السلفا --- وســق لــنا بركات تـــشمل الـــخلفا

واليوم أحــمد إذ ولى فـــــودعنا --- فاجـــعله رب إلى رحـــماك منصرفا

وأكرمن في ذرى الفردوس منزله --- ولــقه نـــضرة مـــــع كــــلما عــــطفا

بالـمــــكرمات له قد كان معترفا --- وبالــــفخار لــــه قد كـــــــان معترفا

وكلما المومنون المخلصون حووا --- من الــــصفات به قــد كــــان متصفا

تـــلاوة الذكر بالـــتنزيل ديدنه --- إلى نــقى وتـــقى إلى صـــفا ووفـــــا

إلى سوى ذاك مما لا أطيق له --- حصرا فما ذا على ذي العجز إن وقفا

يـــارب ألــهم ذويه الصبر إن به --- لهم من الأجر حــظا وافــرا عــــرفا

وأول فــاطمة نـــعمى تــقر بــها --- عينا فتنسى الأسى والهم والأسفا

وباركن رب في الأحفاد من ألفوا --- محبــــبين وأبـــرارا كـــما ألــــــفا

 

جزاه الله عنا بأحسن جزائه، وجعل الجنة مثواه، ولا غبَّت روحه الطاهرة شآبيب المغفرة والرضوان، وغوادي العفو والرحمات.

 

أرجو من كل من قرأ هذا أن يترحم عليه، ويسأل الله له المغفرة وجنان الخلد.

 

أحمدو بزيد

 

متعلقات

الحِوارُ والانحِدار ... والعَلمُ والألَمُ ...

أحمدو سالم ولد الداهي ... رحيل آخر أديب من رعيله

المرابط محنض بابه بن إمين ... التشوف إلى دلائل التعرف

محمد سالم ولد امخيطرات ... زهاء قرن من الصدق والأمانة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share/Save/Bookmark
 

التعليقات 

عبدالوهاب
الرحمة والغفران
صدقت في جميع ما قلت وغاب عنك الكثير والكثير
 
الخميس, 24 نوفمبر 2016
- التعاليق لاتعبر بالضرورة عن وجهة نظر المذرذرة اليوم
- التعاليق التي تحوي تجريح بأي شخص أو جهة سيتم حجبها

الإسم:





فلسطين

إعلان

إعلان

الموقع على

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 7455374

البحث