محنض بابه بن اعبيد الديماني ..

محمد محفوظ ولد أحمد / كاتب صحفي وناشر

إذا قررت زيارة علم الأعلام محنض بابه بن عبيد بن أحمد بن المختار بوي الديماني (1185-1277هـ)، فستقف وقتا طويلا حائرا من أين تبدأ، وأي شِعب من شعاب علمه تصف، وعند أي شأو في ميادين سبقه تقف؟

 

نهاية خلاصاتك وحكم أحكامك، أنك "واقف" أمام شخصية ذات تأثير مفصلي في التاريخ العلمي لهذا البلد؛ الذي يسميه هو "بلد السيبة" ويسميه الشيخ محمد المامي "المنكب البرزخي" ويسميه محمد سالم بن عدود "صحراء الملثمين"...

 

نعم، لقد كان محنض بابه أحد مؤسسي "المعرفة المحظرية" في طورها الموسوعي، وأسلوبها التدريسي الحر، وإنتاجها التأليفي الواقعي، ودورها الاجتماعي الخدوم.

 

ومع كثرة من كتبوا عن محض بابه، ودونوا وحاضروا عن حياته ومناقبه وصفاته وعلمه وقضائه وتدريسه وأدبه... فإني وجدت أقدرهم على ذلك وأجودهم عبارة وابلغهم وصفا، العلامة أحمد بن الأمين في كتابه "الوسيط" حيث يقول عن محنض بابه بن اعبيد: "علامة شنقيط، وهو عقدها الوسيط؛ البدر المنير، والعلامة النحرير. سيف الله القاطع، وغيثه الهامع. شمر عن ساعد جده، وأدرك العلوم بفهمه وكده.

 

هو مدره عصره وعلم مصره. أبرزه الله لأهل إقليمه بدرا منيرا وللصادين عذبا نميرا".

 

ولد محنض بابه في أسرة كريمة من محتد علم ونبل. وجمع بين النبوغ المبكر في طفولته، وعلو الهمة والجد منذ صغره.

 

وبالإضافة إلى ذلك عوضه الله عن والده، الذي توفي عنه ولما يكمل عامه السابع، بأم فاضلة، وفي سبيل العلا مناضلة؛ هي السيدة العارفة العابدة تانيت بنت المختار بن المحجوب. فاجتهدت في تعليمه وتربيته، وأسعفها ذكاؤه الرائق وتحصيله الفائق، وسرعة حفظه وقوة ذاكرته؛ حتى اعترف هو بأنه "كان أول زمانه من أحفظ الناس، ما استودع قلبه شيئا فنسيه".

 

وقد ارتاد محاظر منطقته، وخاصة محظرة خاله الشيخ حمدي بن المختار بن الطالب أجود.

 

وكان المطر وابلا والتربة خصبة، فخرج النبت زاهرا والحصاد وافرا... فتصدر محنض بابه للتدريس، وأقبلت عليه جماهير الطلاب يدرسون شتى العلوم في محظرته التي مكثت أكثر من ستين عاما، خرجت أجيالا من العلماء؛ حتى درس فيها الرجل ثم ابنه ثم حفيده!

 

وقد أورد الدكتور الخليل النحوي ـ في المنارة والرباط ـ أسماء زهاء 40 من المشاهير من بين 100 عالم أخذوا عن محنض بابه.

 

وفي هذا الجانب التعليمي اشتهر تخصص محظرة محنض بابه وتابعاتها في العلوم العقلية أو "علوم الآلة" وإضافتها للمنهج المحظري، حتى غدت قبلة لدارسي علوم أصول الفقه وقواعده والمنطق والبيان... التي كانت نادرة الدرس في محاظر المنطقة كلها في تلك الأيام من ملتقى القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة.

 

لكن محنض باب لم يكن عالما مدرسا فقط، بل كان فقيها مجتهدا وقاضيا عادلا وزعيما سياسيا شديد التفاعل مع زمنه، مرهف الإحساس بمشاكل وهموم مجتمعه.

 

فقد تولى القضاء في منطقة اترارزه، بطلب من أميرها محمد لحبيب (1800-1860م) وتأييد من قبائل العلم فيها.

 

ولم يكن الفقه إلا الجانب النظري من الممارسة القضائية المتميزة لمحنض بابه، إذ كان بشجاعته وورعه ونظرته السياسية الإصلاحية قاضيا حاكما، وسلطانا منفذا. فأشرف بنفسه على تنفيذ بعض أحكام الحدود، وردَّ بقوة على من ينتقدون ذلك بحجة أن "المسائل التي تختص بالإمام الأعظم والقضاة لا يجوز للمحكم التصدي لها...".

 

وكان رده على ذلك قويا جامعا بين الفقه والفكر، ويرى أن تنفيذ الأحكام وأخذ الحقوق من الظُّلام أمر واجب على من قدر على شيء منه حتى في البلاد السائبة. وقال إن تلك الأمور إذا توقفت على نصب الإمام وإقامة القضاة، تضيع الحقوق وتستحل المحارم وتستعبد الأحرار وتُقطع الطرق.

 

وبالإضافة إلى ذلك تصدر العلامة محنض باب الدعوة لتنصيب الإمام وإقامة السلطة العامة في البلاد. وفي ذلك يقول:


كيف الجهاد وكيف كفُّ محارب * من معشر فوضى بلا إمام

أم كيف يقهر من أبى عن حكمه * إلا بسطوة ناصر الحكام

 

أما في مجال الفتاوى والنوازل، التي هي ألصق بحياة المجتمع ومواجهة أحداثه اليومية، فكان محنض بابه، مع تمسكه بفروع الفقه المالكي، مرنا بصيرا بحاجات المجتمع وتطوره وبمقاصد الشريعة وسعة أحكامها. فحكم وأفتى في نوازل معقدة بأقوال وأدلة وتصويبات تعارض أقوال بعض الفقهاء المعاصرين والمتقدمين، مما أثار عليه بعض أهل زمانه؛ فقابلهم بما يناسب رأيه من الأدلة الشرعية والعقلية. وخاض مناظرات مشهودة مع بعضهم، أثـْرت الساحة الفقهية والفكرية.

 

ووقع هذا في مسائل خلافية مشهورة، عدل في بعضها عن مشهور المذهب؛ كما في تشدده في الشهادة، بتحليف الشهود من جهة، ورأيه من جهة أخرى ـ في باب اللعان ـ إثبات الإلحاق بشاهد واحد. وكذلك رفضه التطليق بالنشوز. وكذا رأيه في أن إدراج شرط "لا سابقة ولا لاحقة" السائر في عقد النكاح إنما تُطلق به الزوجة السابقة أو اللاحقة، لا المعقود عليها. ومن ذلك أنه يرى الحلِف بالحرام وجامع الأيمان طلاقا بالثلاث.

 

قال عنه سيداحمد بن اسمه في كتاب "ذات ألواح ودسر": "كان رحمه الله لا يميل مع الأهواء في فصل القضاء ولا يحكم إلا بالمشهور في جميع الأمور، وربما مال إلى الشاذ لمصلحة في ذلك أو لعرف وافقه، كما هو المنصوص في شأن المجتهدين العارفين بالمدارك".

 

ولعل من أشهر قضايا الخلاف التي خاضها محنض باب بقوة معضلة راجع الحبس المعقب، والتي سانده فيها العلامة باب بن أحمد بيبه العلوي، وعارضه فيها وساجله العلامة حرمه بن عبد الجليل العلوي وادييج الكمليلي وغيرهما.

 

ولكن الفقه والقضاء ليسا الميدانين الوحيدين لتحديات محنض بابه وإبداعاته العلمية، التي ينيرها ثاقب فهمه وسعة اطلاعه. فله في اللغة العربية والأدب صولات وجولات وتصويبات خضعت لها رقاب فحول العلماء من معاصريه، وصوبت أوهاما وتصحيفات للمتقدمين.

 

ومن أمثلة الأول حله لما أشكل على نظيره العلامة المختار بن بونا الجكني (1080-1220هـ) مؤسس مدرسة علوم العربية في هذه البلاد، من شواهد النحو، مثل قول الشاعر:


مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها من الرياح النواسم

 

وهو من شواهد قول ابن مالك في"الألفية":

 

وربما أكسب ثان أولا * تأنيثا ان كان لحذف موهلا

 

فقال له محنض بابه لعل الصواب هو:


مشين كما اهتزت غصون تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم

 

فاستحسن ابن بونا التصويب فورا وقال له بالعامية "مخلمك" (لله درك)! وكان سبب استشكال ابن بونا الطويل لاستشهاد النحاة بهذا البيت رواية "من الرياح" وهي تصحيف في "مرُّ الرياح" بحرف الجر (من)، وهما متقاربان في الخط!

 

ومن قوة ملاحظته وسرعة استدراكه وفهمه لغوامض المشكلات التي تعود للرواية والتصحيف، ما ورد في ديوان الستة بشرح الأعلم الشنتمري من قول امرئ القيس:

 

عصافير وذبان ودود * وأجرأ من مجلحة الذئاب

 

فهذه الرواية "أجرأ" التي توهم بعض أهل العلم أنها اسم تفضيل من الجرأة، بين محنض بابه أنها خطأ وتصحيف لكلمة "أجر" وهو جمع جرو للصغير من ولد السباع، معطوف على "عصافير" في البيت، فيكون:

 

.... * وأجر من مجلحة الذياب

 

وكذلك قول زهير بن أبي سلمى:

 

لها متاع وأعوان غدون به * قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا

 

فالرواية المتداولة "غدون" بمعنى ذهبوا غدوة. فنبه إلى أنها تصحيف لكمة "غَرُون" بالراء، وهي جمع غر بمعنى ملازم، فيكون البيت:

 

لها متاع وأعوان غَرُون نبه * .....

 

... الخ

 

ومن المناظرات والبحوث النحوية التي أثارها محنض بابه أيضا عدم لزوم تخصيص الفاعل المنَكر، خلافا لرأي ابن بونا الذي نص على تخصيصه بما ينقص تنكيره، فقال في جامعه على الخلاصة:

 

وارتفعا وانتصبا فيما انتظم * وخصص الفاعل وهو ملتزم

 

واستشهد محنض بابه بقوله تعالى (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)، وقول زهير بن أبي سلمى:

 

طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب

 

وقد اعترض بعض العلماء على ذلك. كما رد عليه العلامة النحوي محمد عالي بن سيدي ("معِ) بأن الفاعل في بيت زهير مخصص بمحذوف تقديره "منك"، وأن الإسناد إلى النملة ـ في الآية ـ من الإخبار بالمحال الذي هو عندهم من مسوغات الابتداء بالنكرة.

 

إلى غير ذلك من البحوث والألغاز في هذا الباب اللغوي.

 

**

قف بـ"الميسر" واربع في مرابعه * وبـ"الرهونيِّ" تعلم بعد إمعان

هل غادر النظم منها وهو مختصر * ما كل مرعى لدى رعي كسعدان!

 

تقول العرب في أمثالها "مرعى ولا كالسعدان"، لأن السعدان ـ كما هو مشاهد في هذه البلاد ـ من أفضل مراعي النعم، والإبل بصفة خاصة.

 

هذان البيتان ختم بهما العلامة محمد مولود بن أغشممت المجلسي نظم مسائل بيع الحليب ومشتقاته والبيع والربا بين أنواعها، كما استخلصها من "الميسر"، منبها على أنه المرجع الأصح والحجة الأصلح في أحكام الفقه، كما أن السعدان سيد المراعي.

 

وهو يعني طبعا كتاب "ميسر الجليل في شرح مختصر خليل" للعلامة محنض بابه، الذي بين أيدينا اليوم ـ بحمد الله ـ أحدث طبعاته وأصحها إن شاء الله.

 

كنت قبل عقدين ونصف من الزمن عثرت في مكتبة مشرقية على أجزاء مطبوعة من "ميسر الجليل" ففرحت بها وشعرت بالإنس والاعتزاز. إلا أني لما طالعت بعض الجزء الأول، أخذت الثاني فإذا هو مثله يضج بأخطاء وفساد كفاني منه أنه ظاهر لأمثالي من الجهلة.

 

كانت طبعة صادرة في لبنان، لكنها لا انتفاع بها البتة؛ وقد حولت فرحي إلى حزن على ضياع هذا التراث العلمي الشنقيطي العظيم المعتقل في أوراقه الضعيفة وخطوطه الخفيفة؛ فلا يطبع منه إلا النزر اليسير، وإذا طبع من غير تصحيح ولا تنقيح ولا تحقيق... تكون المصيبة أدهى وأمر!!

 

ثم لما أصدرت دار الرضوان ـ وكم لها بصاحبها الفضل والسبق والجهد الأكبر في هذا الشان ـ أول طبعة محققة من هذا الكتاب العظيم سنة 2003، عمت الفرحة وانزاحت الغمة.

 

ولأن أهل الهمة العالية لا يملون الارتقاء ولا يتركون الانتقاء، فقد حرص صاحب هذه الدار الرائد في إنقاذ التراث ونشر نفائس العلم السيد أحمد سالك بن ابوه حفظه الله، على مواصلة الجهد وتسخيره لمزيد من التصحيح والتنقيح والتحسين لهذا المصنف النفيس، فأتحف الساحة العلمية بهذه الطبعة الجميلة والتحفة الجليلة التي وصلت لتوها، واجتلبت الأفراح لجوها.

 

وكتاب "الميسر" كما هو معروف من أهم مراجع الفقه المالكي في هذه البلاد. ويتميز عن غيره من شروح مختصر خليل، التي ربما ناهزت المائة، بالتحقيق والتدقيق والعناية بمسائل البلاد الموريتانية.

 

حتى إن مؤلفه قد تجاوز باب الحج في شرحه المبسوط (الميسر الكبير) لاستحالة الحج من هذه البلاد في زمنه.

 

ثم استدرك ذلك وشرحه في مختصره (الميسر الصغير)، وربما كان هذا من دوافع اختصاره ذلك، لأنه "أشفق من الإعراض عن بعض شريعة النبي صلى الله عليه وسلم".

 

وقد رزق هذا الكتاب القبول والإقبال فانتشر في البلاد وانكب عليه العلماء والمدرسون، واعتمد عليه القضاة والمفتون، وأثنى عليه العلماء والأدباء، نثرا وشعرا وتضمينا...

 

ويصح بالاختصار إجمال قولهم فيه في أبيات العلامة محمذفال بن أحمدو فال التندغي:

 

فلله ما حاز الميسر من فضل * لما فيه من فرع وما فيه من أصل

وجدنا به من علم فقه مصحح * شوارد أحلى عندنا من جنى النحل

فإن حاز عنه الكتب سبقا فربما * بدا الطل قبل الوبل والفضل للوبل

 

هذا ولئن انشغلت الأذهان والأقلام بـ"الميسر"، فإن محنض بابه رحمه الله أعد لها من مائدة علمه الوافر وبساط فهمه الباهر، كنوزا ونفائس أخرى من المؤلفات النافعة في شتى فنون العلم والمعرفة والأدب، نظما ونثرا. فنظم وعلق في علوم القرآن، والفقه، وأصول الفقه، والمنطق، والبيان، والنحو واللغة... بالإضافة إلى الفتاوى التي تصنف في ثلاث مجموعات: كبرى ومتوسطة وصغرى.

 

وكان إلى ذلك شاعرا لا يشق له غبار؛ له قصائد ومقطوعات في أغراض شتى، وأديبا ناثرا كما تشهد عليه مقامته التي كتبها بعد دراسة مقامات الحريري، ولما يزل شابا يافعا.

 

كانت وفاة محنض بابه بن عبيد رحمه الله في أغسطس 1860م، ودفن ببلدة "آمنيـﮔـير"، من أعمال "المذرذرة". وقد رثاه العلماء والشعراء، مشيدين بعلمه ومكانته وأثره على الساحة العلمية عامة.

 

وفي الجانب الشخصي من سيرة الرجل، نجده ـ مع ذلك ـ العامل المحترف، الحامل للكَل، والساعي إلى تعمير الأرض وحفر الآبار، وقرى الأضياف بنفسه ويديه.

 

وأما أسرته فلا تسأل عن أبناء رضعوا الفضل واحتنكوا العلم وبأخلاقه اتصفوا، وتسلسل فيهم النبوغ والموسوعية، وسمت بهم شيم الكرم وحسن الخلق ومنافع الخلق.

 

وليس لمن خَلَفُه الطيب منه أمثال المختار بن حامدن رحمه الله، ومحنض بابه بن أمين حفظه الله، وغيرهما من أئمة هذه البلاد الأعلام وساداتها الكرام، وأبناء هذه الأسرة العظيمة والدوحة الكريمة... إلا أن يحاط بالتعظيم والمحبة والخلود.

 

رحم الله السلف وبارك في الخلف. والحمد لله رب العالمين.

 

 

محمد محفوظ ولد أحمد

كاتب صحفي وناشر

 

 

 

 

 

 

 

Share/Save/Bookmark
 
- التعاليق لاتعبر بالضرورة عن وجهة نظر المذرذرة اليوم
- التعاليق التي تحوي تجريح بأي شخص أو جهة سيتم حجبها

الإسم:





فلسطين

إعلان

إعلان

الموقع على

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 7760312

البحث