من وحي العلك: المذرذرة.. في الذاكرة

المذرذرة.. قلعة صامدة منذ الأزل على أبواب "إكيدي" حيث تتعانق ثقافتا المحصر واستدمين وتتكاملان، في هذه المنطقة التي تمتد في التاريخ الحي، أكثر مما تمتد في الجغرافيا الصماء.

 

كانت لهذه المدينة الهادئة الميالة للصمت والانزواء، أدوار بعيدة الأثر، وثقها التاريخ وحفظتها الأجيال، وصانتها وتناقلتها بشغف واهتمام، على الأقل منذ نحو خمسة قرون، طيلة محطات تفاعل مشرق مع مناطق البلاد المختلفة، ومع محيطنا المباشر جنوبا وشمالا..

 

ومع القوى الأوروبية التي كانت تجوس بشواطئ الأطلسي وضفاف "أبجك" بحثا عن وقود وأسواق لتجارتها الآخذة في التوسع، ومواد أولية لصناعاتها النهمة..

 

ولعل من تجليات هذا التفاعل، ما يمكن تسميته بمرحلة "العلك" الذي جمع أبناء المدينة هذه الأيام، في مهرجان هو الأول من نوعه، وأملنا ألا يكون الأخير.

 

وقبلهم جمع "العلك" عدة قوى غربية، تصارعت حوله طويلا ، وتنافست على تجارته وتسويقه مع سكان مناطق واسعة، كانت المذرذرة، وأبناؤها من كل الفئات، وعلى مدى قرون، قلبها وروحها وقطب رحاها.

 

ولكن العلك ليس هو وحده، ما يميز المذرذرة، على أهميته.

 

فهي ستظل وكما كانت دائما في صدارة الشؤون العامة في هذا الجزء من البلد.

 

ولا أدل على ذلك من أنها ستكون، بعد مرحلة العلك، على موعد مع الريادة من جديد، حين يحط بها الفرنسيون الرحال، ويختارونها موقعا عسكريا "صنكة" بديلا عن "خروفة" التي بدا لهم موقعها، سنوات قليلة بعد وصولهم إلى هذه الربوع، متطرفا عن مجال تحرك محصر اترارزة صيفا وشتاء.

 

ومنذ ذلك اليوم ولعقود مديدة، أغنتها شهرة الصنكة عن أي اسم آخر.

 

ثم كان عليها أن تعرف واحدة من أولى المدارس العصرية في البلاد، وتتشكل فيها واحدة من أولى بذور التحضر و"مشاتل" الانصهار الاجتماعي الطوعي الرائع بين الفئات الوطنية المختلفة.. ثم كان لها بعد ذلك أن تضطلع بأدوار تنويرية مشهودة، مع إرهاصات الدولة الحديثة وفجر الاستقلال، وعلى مدى العقود اللاحقة.

 

وربما لكل ذلك ولغيره من العوامل تجاوز اسمها الإطار المحلي الوطني، فهي بمن أنجبت من الأعلام في ميادين مختلفة، أو من مر بها من الأسماء الكبيرة، بقيت حاضرة وطار ذكرها حتى وراء حدود البلاد..

 

أذكر أنني قبل سنوات بعيدة، كنت ضمن بعثة تضم زملاء من عدة ولايات مختلفة من الوطن.. وصادف أن تزامنت مهمتنا مع وفاة الرئيس السنغالي الأشهر، ليوبولد سدار سنغور، وأقيمت مراسم شعبية ورسمية واسعة لتأبينه وتشييعه إلى مثواه الأخير، نقلت مباشرة على الهواء على مدى أيام، عبر التلفزيون السنغالي.

 

وعُهد بمهمة التغطية إلى جهابذة من كبار الإعلاميين المخضرمين، ممن عاصروا الفقيد، وعايشوا يومياته، ربما في محاولة لجعل المشاهدين، يستعيدون كل عناصر المشهد "السينغوري" بكل تفاصيله.. من خلال تعليق موثق، وموقع بأسماء كبيرة لامعة في حجم الإعلامي البارز على الضفة اليسرى للنهر، المرحوم أحمد بابا كنتا.

 

جاء الوفد الموريتاني للتعزية، وغاص المعلق في ماضي العلاقات الضاربة في القدم بين البلدين.. وكانت المذرذرة – ويا لسعادتي - الاسم الأبرز في ذلك الحديث مجسدة التواصل الممتد بين البلدين!!

 

كانت المدينة الموريتانية الوحيدة التي نطق المعلق اسمها، في خضم حديث طويل عريض عن صلات الضفتين، ليخلص إلى أن مدارسها التقليدية ( محاظرها ) ظلت لقرون تفتح صدرها الرحب لأجيال السنغاليين الراغبين في التبحر في الثقافة الإسلامية.

 

وذكر بالصلات الخاصة التي ظلت مستمرة بين سكان المذرذرة، وأبرز العائلات الصوفية في السنغال، من تيجانية ومريدية وقادرية.

 

ولا ننسى طبعا أن المذرذرة، كانت أيام الاستعمار وحتى سنوات بعد الاستقلال، تغطي أجزاء واسعة من مقاطعات مختلفة في ولاية اترارزة، كالركيز وكرمسين وواد الناكة، وكانت "كنانيش" وأضابير الحالة المدنية والضرائب والعشور، وشؤون العشائر والقضاء الأهلي الخاصة بسكان أغلب مناطق هذه المقاطعات مسجلة في الصنكة، وتدار منها شؤونهم لعقود طويلة.

 

وقد سنحت لي الفرصة، قبل سنوات عديدة، بمباني المقاطعة، الذي هو جزء من ذاكرة المكان والزمان معا، بالوقوف على نماذج من تقارير من العهد الاستعماري، توثق لهذه الصلات، التي كاد ما تعرض له أرشيف المقاطعة، خلال الثمانينات والتسعينات، أن يقضي عليها، ومعها ذاكرة منطقة من أكثر مناطق موريتانيا ثراء، وفي حقب من أكثر حقب تاريخنا الحديث أهمية.

 

وفي مذكرات ويوميات الإداريين والباحثين والمستكشفين الفرنسيين الذين زاروا موريتانيا، أو عملوا بها، كان للمذرذرة ذكر خاص.

 

وفي فترة استعداد البلاد للانفصال عن المتروبول، وما نجم عن ذلك من احتدام الجدل السياسي بين الأحزاب والتيارات المختلفة، كانت الصنكة  بنخبها، ومن يعملون في إدارات الدولة على أرضها، أهم المدن التي صاغت مصير البلاد، التي لم تكن مهيأة للاستقلال، بفعل عدة عوامل موضوعية وذاتية.

 

ومع قيام الدولة الحديثة، لم يزدد حضورها إلا قوة، فقد أنجبت أجيالا من خيرة الآباء المؤسسين، وكان اختيار الاسم الرسمي للبلاد، الجمهورية الإسلامية الموريتانية، على الأرجح، من اختيار أحد أبناء المذرذرة.

 

وكان لبصمة المذرذرة حضورها الوازن في مجتمع الستينات في نواكشوط، وما بعدها، بسياسييه ومثقفيه وإعلامييه وفنانيه، وغيرهم من قادة الرأي والرموز العامة.

 

وحين زارت بعثة مجلة العربي الكويتية، ذائعة الصيت، موريتانيا سنوات قليلة بعد الاستقلال، كانت المذرذرة إحدى محطات استطلاعها الخالد، الذي منح لهذا البلد، واحدا من أعز ألقابه، وأكثرها قربا إلى قلوب أبنائه، ألا وهو بلد المليون شاعر!!

 

وفي الحراك التنويري الذي شهدته البلاد بعد الاستقلال، وخلال عقدي الستينات والسبعينات، كانت المذرذرة في صدارة المدن الثائرة الحمراء، إن صح التعبير.

 

وأبناء جيلي.. نذكر الشعارات التي خطها شباب "الكادحين" بالأحمر القاني منذ تلك الفترة.. والتي بقيت صامدة، ربما حتى بداية الثمانينات في عدة شوارع بالمدينة!!

 

ومن تلك الفترة كذلك وصلتنا، ونحن في ميعة الطفولة الأولى، شعارات ثورية مطلبية، كثيرا ما كنا نرددها، ببراءة الصغار، وبدون سبب في أغلب الأحيان، في ملتقى السبعينات والثمانينات.

 

وحين استقبلت موريتانيا بحفاوة، كاتبا لامعا في حجم الأديب السوداني العالمي، المرحوم الطيب صالح في أكتوبر عام 1975، لم تجد أفضل هدية له، من ليلة مطبوعة بميسم "الفتوة" على الطريقة الإكيدية، في مجلس سمر نادر، لا يجود الزمان بمثله إلا قليلا، تحت سماء الصنكة المرصعة بالنجوم المتلألئة، ضم شموشا من أهل المذرذرة وما حولها، من أمثال السيد أبنو ولد أبنوعبدم، وكان وقتها أمينا عام لوزارة الثقافة والإعلام، وعميد الأدب الشعبي، الأستاذ محمدن ولد سيدي إبراهيم، وكانا مرافقين للضيف السوداني، والفنان الكبير محمد ولد اعلي وركان، رحم الله الجميع.

 

ومن هذه الليلة المفعمة بالأصالة والتراث و"الفتوة"، حمل الأديب الكبير، رحمه الله، ذكرى رافقته طويلا، وجعلته، كما قال لاحقا لعدد ممن التقى بهم من الموريتانيين، يتمنى أن ينعم بقضاء أيامه الأخيرة.. في أكناف تلك المدينة، "التي شرب فيها الشاي، وغنت له فيها منينة" و التي أحيت - لاشك - في نفسه، بتمثلها الرائع للماضي التليد، لواعج الحنين لشخوص ومشاهد رائعته الخالدة "موسم الهجرة إلى الشمال" وقرى وأرياف "سودان" طفولته وشبابه الجميل، الذي تركه قبل ذلك بسنوات طويلة!!

 

على هذه الأرضية ذات الأبعاد المتعددة، توجد المذرذرة اليوم.. قدرها أن تكون استمرارا لهذا التراث، وحاضنة غيورة عليه..

 

ولكن اختيار المذرذرة كان دائما، وفاء لتقاليد خاصة متأصلة، هو أن تتجنب الحديث عن نفسها، وأن تقلل من أهميتها مقارنة بغيرها من شقائقها ونظائرها من مدن البلد.

 

وربما تلك هي روح المذرذرة الخالدة!!

 

محمد ولد حمدو

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share/Save/Bookmark
 

التعليقات 

ص م
أحسنت يا أخي هكذا هي المذرذره متميزة وهادئة.
ولها أن تفخر أن لها اينا مثلك
 
الأحد, 31 ديسمبر 2017
- التعاليق لاتعبر بالضرورة عن وجهة نظر المذرذرة اليوم
- التعاليق التي تحوي تجريح بأي شخص أو جهة سيتم حجبها

الإسم:





فلسطين

إعلان

إعلان

الموقع على

احصائيات

عدد زيارات المحنوى : 8905813

البحث